الشيخ عبد الغني النابلسي

43

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً وهي الهمّة هنا للبشر خاصّة . الملك بضم فسكون في الغة الشدة ، أي المتانة والقوّة والصلابة والمليك الشديد ، أي القوي المتين يقال : ملكت العجين إذا شددت عجينه وقويته وصلبته قال شاعر العرب قيس بن الحطيم من الجاهلية يصف طعنة طعنها بالسلاح في عدوّه يوم الحرب . ملكت ، أي شددت بها أي بتلك الطعنة كفي ، يعني على السلاح أو على تلك الطعنة فأنهرت ، أي أجريت واستلت فتقها ، أي ما انفتق منها من جلد المطعون حتى سال الدم بحيث ترى إنسان قائم من دونها ، أي قريب منها ما ورائها لنفوذها إلى الجهة الأخرى فمعنى ملكت بها كفي أي شددت بها كفي يعني الطعنة المذكورة فهو ، أي هذا المعنى ما أشار إليه قول اللّه تعالى عن لوط عليه السلام لما جاءته الملائكة عليهم السلام في صورة غلمان حسان الوجوه وجاءه قومه يهرعون إليه ، لأن امرأته دلتهم على أضيافه الذين جاؤوا إليه ، ولم يعلم أنهم ملائكة حتى قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ [ هود : 81 ] الآية . وكان من قوله بعد أن دافع قومه في حقهم وعرض عليهم بناته ليتزوّجوا بهن ويكفوا عن أضيافه فأبوا و قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ( 79 ) قال لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ، أي يا ليت لي قدرة على دفعكم ومنعكم عما تريدون من السوء أَوْ آوِي ، أي ألتجيء للنصرة والحماية إِلى رُكْنٍ ، أي من أركن إليه من ناصر وحام شَدِيدٍ [ هود : 79 - 80 ] ، أي قوي من عشيرة وقوم ، فكانت الملائكة عليهم السلام هم الركن الشديد له من الملك وهو الشدة ، وهو لا يعلم بذلك ، ثم علم بأخبارهم وقولهم : إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يرحم اللّه أخي لوطا لقد كان » ، أي حين قوله : أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ يأوي إلى ركن شديد حين كانت الملائكة عليهم السلام الذين أرسلهم اللّه تعالى إلى نصرته على قومه وهلاك قومه بهم وهو لا يعلم بذلك فنبه صلى اللّه عليه وسلم بقوله ذلك أنه ، أي لوطا عليه السلام كان قائما في ظاهره وباطنه مع قيومية اللّه تعالى عليه من حيث كونه تعالى شديدا ، أي قويا متينا ، فإن ما تمناه من الركن الشديد الذي يأوي إليه هو عنده في شهوده عين الوجود القديم القيوم على كل شيء ، فإن الأنبياء عليهم السلام على أكمل حال معرفة اللّه تعالى وشهوده . وكانت الملائكة الذين هم رسل اللّه تعالى إليه من حيث لا يعلم عين الركن الشديد الذي هو يأوي إليه لأنهم مظاهر تجليات الحق تعالى في النصرة والشدة المطلوبة له ، وبذلك سموا ملائكة من الملك بمعنى الشدة كما ذكر .